منذ سنة - Saturday 03 May 2025
AF
تمثل محافظة تعز إحدى أعقد الجبهات اليمنية، ليس فقط في مواجهة الحوثيين، بل أيضًا في صراع النفوذ بين القوى المحسوبة على التحالف العربي. يتجلى هذا الصراع بشكل خاص بين حزب الإصلاح – الذراع السياسية والعسكرية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن – وقوات طارق صالح المدعومة من الإمارات. ويمتد الصراع من ميادين السياسة إلى خطوط التماس، مرورًا بالإعلام والمجتمع المدني، في سباق للهيمنة على مستقبل تعز.
أولًا: الجغرافيا المعقدة… حجر الأساس للصراع
تعز تنقسم فعليًا إلى ثلاث مناطق نفوذ:
مدينة تعز وجبالها الوسطى: تخضع لسيطرة قوات محسوبة على حزب الإصلاح ضمن محور تعز التابع للشرعية.
الساحل الغربي (المخا، ذو باب، والمخا القديمة): تسيطر عليه قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح وبدعم إماراتي مباشر.
المناطق الريفية جنوب غرب تعز: تشهد نفوذًا متداخلًا بين أطراف متعددة تشمل ألوية العمالقة، والكتائب السلفية، وأطرافًا محلية.
هذه الجغرافيا أنتجت حالة من “الكانتونات السياسية” داخل المحافظة الواحدة، مما جعل الصدام حتميًا بين مشروعين متعارضين.
سؤال مفتاحي:
كيف تؤثر التجزئة الجغرافية لتعز على فرص استعادة الدولة المركزية في اليمن؟
ثانيًا: حزب الإصلاح… بين الشرعية والاحتكار
يسيطر الإصلاح على محور تعز العسكري ومؤسسات الدولة داخل المدينة، ويمتلك قوة بشرية وإعلامية وتنظيمية كبيرة. لكنه متهم من خصومه بفرض هيمنة أحادية على القرار السياسي والعسكري، وتهميش المكونات الأخرى، وهو ما جعل خصومه يتحدثون عن “احتلال ناعم” لتعز من قبل الحزب.
في المقابل، يبرر الإصلاح حضوره بأنه نتاج لفراغ تركه غياب الدولة المركزية، وأنه ظل صامدًا في وجه الحوثيين في وقت انهارت فيه جبهات كثيرة.
سؤال مفتاحي:
هل استطاع الإصلاح بناء نموذج حكم ناجح داخل مدينة تعز، أم فشل في تحويل نفوذه إلى مشروع وطني؟
ثالثًا: طارق صالح… المشروع الإماراتي البديل؟
طارق، ابن أخ الرئيس السابق علي عبدالله صالح، عاد إلى المشهد من بوابة أبو ظبي، وقاد تشكيل “المقاومة الوطنية” في الساحل الغربي. يحاول فرض نفسه كقوة عسكرية وطنية خارج الاصطفاف الحزبي، لكنه يُتهم بتنفيذ أجندة إماراتية تسعى لفصل المخا عن تعز وربطها بمشروع نفوذ ممتد من عدن إلى البحر الأحمر.
يحاول طارق استقطاب ضباط سابقين في الحرس الجمهوري، وقبائل من تهامة وتعز الساحلية، ويعمل على بناء إدارة موازية لما يسمى “إقليم الساحل”، ما يعده الإصلاح تهديدًا مباشرًا لوحدة المحافظة.
سؤال مفتاحي:
هل يمثل طارق صالح مشروعًا جمهوريًا وطنيًا، أم إعادة تدوير لنظام صالح تحت عباءة الإمارات؟
رابعًا: أدوات الصراع: من الإعلام إلى التصفيات
الصراع بين الطرفين لم يبقَ في حدود التصريحات، بل امتد إلى حملات إعلامية، واغتيالات غامضة، وحملات اعتقال متبادلة.
يتهم الإصلاح طارق صالح بفتح علاقات مشبوهة مع إسرائيل عبر الإمارات، والسعي لفصل المخا.
بينما تتهم قوات طارق حزب الإصلاح بتصفية معارضيه في المدينة، ونهب موارد المحافظة، واحتضان خلايا تخريبية.
هذا المناخ المتوتر أضعف الجبهة الداخلية في تعز، وسهّل للحوثيين البقاء على تخوم المدينة منذ 2016.
سؤال مفتاحي:
إلى أي مدى يساهم الصراع بين الإصلاح وطارق في إطالة أمد حصار الحوثيين لتعز؟
خامسًا: التدخل السعودي… ميزان هش
رغم محاولة السعودية التوفيق بين الطرفين ضمن ما يسمى “مجلس القيادة الرئاسي”، إلا أن النفوذ الإماراتي المتغلغل في معسكر طارق، والعداء العقائدي بين الإخوان والإمارات، جعلا المصالحة شكلية وغير قابلة للصمود.
الحكومة الشرعية تبدو عاجزة عن فرض سلطة واحدة في تعز، فيما يتحول المجلس الرئاسي إلى مظلة لصراع النفوذ بدلاً من حلّه.
سؤال مفتاحي:
هل تملك السعودية رؤية موحدة لإدارة تعز، أم أن مصالحها تتقاطع وتتضارب مع أجندة أبوظبي؟
خاتمة:
تعز اليوم ليست مجرد ساحة مواجهة مع الحوثي، بل ميدان صراع بين مشروعين داخل معسكر “الشرعية” نفسه. ومع غياب رؤية موحدة ومؤسسات حقيقية، يبقى المواطن في تعز الخاسر الأكبر بين رحى حرب لا صوت فيها يعلو على صوت الصراع على النفوذ.
سؤال مفتوح للتأمل:
هل يمكن لتجربة تعز أن تتحول إلى نموذج وطني للتعايش بين القوى اليمنية، أم أنها مقدمة لانقسام أكبر في الجغرافيا اليمنية
تعز الممزقة… خدمة مجانية للحوثي في الحوبان
في ظل هذا الصراع الداخلي بين الإصلاح وطارق صالح، يظل الحوثي هو المستفيد الأكبر، متمركزًا بثبات في منطقة الحوبان، شرق تعز، منذ ما يقارب عقدًا من الزمن. لم يُستكمل فك الحصار عن المدينة، رغم كل التحالفات والدعم الخارجي، بسبب تشتت القوى المحسوبة على الشرعية وانشغالها بصراعات النفوذ على حساب المعركة الحقيقية. وبدلاً من أن توجَّه البنادق نحو الحوبان لتحرير تعز، باتت البنادق تُرفع داخل أسوار المدينة في معارك عبثية، تمنح الحوثي فرصة لتعزيز دفاعاته وبسط سلطته على الحوبان ومداخل تعز الشرقية دون تكلفة.
سؤال للتأمل:
متى يدرك الفرقاء في تعز أن خصمهم الحقيقي لم يزل رابضًا على بوابة الحوبان