منذ سنة - Monday 19 May 2025
AF
لم ننسَ غزة، ولم نعتد. لكن وهج الصدمة الأولى تراجع قليلاً، ليحل محله ذهولٌ أشدّ قسوة، ذهولٌ من القدرة على التواطؤ، من هشاشة المواقف، من هذا الانكشاف الأخلاقي والسياسي الذي تعيشه المنطقة والعالم. لم نتوقع أن يستمر هذا الفصل الدموي طويلاً، لم نتوقع أن تنكسر الإنسانية بهذا الشكل أمام أعيننا، دون أن يتحرك العالم لإنقاذ غزة من المحرقة.
أشهر من المجازر المعلنة، من الإبادة الموثقة بالصوت والصورة، من الأطفال المقطّعين، من الأمهات الحاملات لأشلاء أطفالهن، من الركام الذي صار بيتاً، ومن الخيام التي لا تكفي لستر الجراح. كل ذلك يحدث في وضح النهار، على شاشات العالم، فيما تنشغل العواصم الكبرى بحسابات القوة والردع والانتخابات.
الخذلان لم يعد حدثاً عارضاً، بل صار منظومة متكاملة، تمتد من الأنظمة الرسمية التي تُدير ظهرها للمأساة، إلى الشعوب المنهكة التي تخاف أن تصرخ، إلى الإعلام العالمي الذي ينتقي ضحاياه وفقاً للونهم وديانتهم، إلى مؤسسات العدالة الدولية التي تغرق في بطء مريب.
الخوف اليوم ليس فقط على غزة، بل على معنى العدل، على فكرة الحق، على إحساسنا بالانتماء إلى هذه المنطقة. ما يحدث اليوم هو نزع شرعيّة كامل لفكرة أن هناك قانون دولي، أو أخلاق، أو مرجعية تحمي أحدًا. ووسط هذا الانهيار، يكبر الخوف مما هو آت.
فإذا كانت غزة تُباد، على مدى شهور، دون محاسبة، وبدعمٍ مباشر أو صمتٍ مقصود، فما الذي يردع أي قوة أخرى من تكرار السيناريو نفسه؟ ماذا تبقى للشعوب من أمل حين ترى أطفالاً يُسحقون ولا يتغير شيء؟ كيف سنقنع الأجيال القادمة أن لهذا العالم مستقبل، ونحن لا نستطيع أن نمنع مجزرة واضحة؟
من غير المقبول أن نعتاد. من غير المسموح أن نصمت. ومن غير المعقول أن نعتبر أن هذا “حدث عابر” في تاريخ هذه الأمة. هذه لحظة مفصلية، ستعيد تشكيل الوعي العربي لعقود قادمة. لحظة يتكشّف فيها كل شيء: من زيف الحلفاء، إلى خيانة المؤسسات، إلى صمت من يفترض أنهم أخوة.
وربما الأخطر من كل ما سبق، أن نهاية هذا الفصل ليست واضحة. فالمجازر لا تزال مستمرة، والغضب يتراكم تحت السطح، والخيبة تتسرب إلى كل بيت عربي. نخشى أن يكون القادم أكثر ظلمة. نخشى أن يخلق هذا الخذلان موجات من الردّ غير المتوقع، وأن تدفع المنطقة ثمن هذا السكوت، على شكل فوضى أو تطرف أو انتفاضات بلا قيادة.
الوقت لا يداوي جرح غزة. الزمن لا يطوي الألم، بل يوسّعه. وكل يوم يمر دون عدالة، هو صفعة في وجه كل من لا يزال يؤمن بالحق والحرية والكرامة. السؤال اليوم لم يعد: “كيف حدث كل هذا؟” بل: “إلى أين يأخذنا هذا الجنون؟
سلام