منذ سنة - Monday 26 May 2025
AF
نعم، الشاعر الكبير عبدالله البردوني مدح الإمام أحمد حميد الدين (الإمام الزيدي الذي حكم شمال اليمن حتى وفاته عام 1962) في بداياته الشعرية، حين كان شابًا في مقتبل العمر، وذلك قبل تحوّله لاحقًا إلى رمز نقدي وفكري معارض للإمامة والتسلّط السياسي.
لماذا مدح الإمام؟
في الثلاثينات والأربعينات، كان البردوني لا يزال في مرحلة التكوين الشعري، وكان كثير من الشعراء في ذلك الزمن يمدحون الحكّام كوسيلة للقبول أو التكريم أو حتى كجزء من الثقافة الأدبية السائدة حينها. ومع أن البردوني لم يكن شاعر بلا موقف، إلا أنه تأثر بالمناخ السياسي والاجتماعي في بداياته، قبل أن تتبلور رؤيته الثورية لاحقًا.
أبرز ما يُستشهد به:
من القصائد التي يُقال إنه كتبها في مدح الإمام أحمد:
“يا ربُّ باركْ للإمامِ المجتبى
نجلِ الإمامِ المرتضى، نورِ الهدى”
لكن هذه الأبيات، وغيرها، لا تعبّر عن مجمل تجربة البردوني ولا عن مواقفه اللاحقة. فبعد ثورة 1962، صار من أبرز من هاجموا النظام الإمامي، ووثق ذلك في دواوينه ومقالاته، منها:
ديوان “اليمن الجمهوري” (1977)
ديوان “زمان بلا نوعية”
كتاب “الثقافة والثورة”
تحول الموقف:
البردوني نفسه تحدّث لاحقًا عن هذه المرحلة بشيء من النقد الذاتي، معتبرًا أن المديح في زمن القهر لا يُعدّ حرية، بل نوعًا من القيود الشعرية المفروضة على الأدباء آنذاك
خلاصة: نعم، مدح البردوني الإمام أحمد في بداياته، مثل كثير من شعراء عصره، لكن تجربته تطورت جذريًا، وتحول إلى أشد النقاد لأنظمة القمع، بما في ذلك النظام الإمامي، وأصبح صوته أحد أبرز الأصوات الجمهورية والحداثية في اليمن الحديث
من المديح إلى المعارضة: قراءة في تحوّل البردوني من شاعر البلاط إلى شاعر الشعب
نص القصيدة:
يا ربُّ باركْ للإمامِ المجتبى
نجلِ الإمامِ المرتضى، نورِ الهدى
هو للأنامِ ملاذُهم وسِراجُهم
وبه تُشادُ منائرٌ ومُدى
هذه الأبيات تمثل نموذجًا لما يُعرف بشعر “المديح السلطوي”، حيث يُوظف الشاعر الصورة الدينية التقليدية لتمجيد الحاكم، عبر صفات مثل “نور الهدى”، و”ملاذ الأنام”، وهي مفردات ترتبط غالبًا بالأئمة الزيدية من منظور فقهي ومذهبي، لا سياسي فقط.
التحليل الفني:
اللغة: اعتمد البردوني في هذه القصيدة على لغة دينية تقليدية ذات نبرة مهيبة، مأخوذة من الموروث الزيدي – خاصة تعبير “المجتبى” و”المرتضى” – وكأن القصيدة تمزج بين المديح الدنيوي والمديح الديني.
الوزن: القصيدة مكتوبة على بحر البسيط، وهو بحر تقليدي يناسب أغراض المديح والرثاء، ويُعطي وقعًا رنانًا في التلقي الشفوي.
الصور البلاغية: تعتمد على المجاز الكلاسيكي، مثل “سراج الأنام” و”منائر تُشاد”، وهي صور تُضفي على الحاكم طابعًا قدريًا وروحيًا، أشبه بـ”الخليفة المعصوم”.
لكن اللافت أن هذا النوع من الشعر سيصبح في نظر البردوني لاحقًا صورة من صور “اللغة المقيدة”، التي كانت تُستخدم لتبرير الصمت والخضوع.
تحوّل البردوني: من التبجيل إلى التمرّد
مع اندلاع ثورة 1962، سقطت الإمامة في شمال اليمن، وتحوّلت اللغة السياسية والاجتماعية، ومعها تحوّل البردوني من شاعر يغازل النخبة إلى شاعر يعريها. كتب لاحقًا:
وكنتُ أُغني، وأبكي القوافي
وفي ظلِّ ظَلي، يعيش الطغاةُ
أمدحهم، ثم ألعن ظِلّي!
(من ديوان: زمان بلا نوعية)
الفرق الجوهري بين المرحلتين
البردوني ضمير المرحلة:
بعد الثورة، أصبح البردوني أشبه بـ”الضمير الجمهوري” في اليمن. لم يكتفِ بمعارضة الإمام، بل هاجم الجمهوريين أنفسهم عندما تماهوا مع الاستبداد. وهذا ما منحه شرعية أدبية وفكرية فريدة في اليمن، بوصفه الشاعر الذي لم يكن يهادن أحدًا، لا إمامًا ولا رئيسًا.
خلاصة نقدية:
القصيدة التي كتبها البردوني في مدح الإمام تمثل لحظة من لحظات “الشاعر الذي كان يبحث عن صوته”، لكنها ليست صورته النهائية. فصوته الحقيقي ظهر عندما تجرأ على كسر قواعد المدح والخوف، ليُصبح شاعر الشعب، لا شاعر العرش.
سؤال للتأمل:
هل علينا دائمًا أن نحاكم الفنان من بداياته، أم نحتفل بتحوّلاته؟ وهل القصائد التي كُتبت في ظل الخضوع تُفقد الشاعر شرعية تمرّده اللاحق