منذ سنة - Tuesday 03 June 2025
AF
في توقيت بالغ الدقة، تعود قنوات التواصل بين مصر وإيران إلى الواجهة، بعد عقود من القطيعة الباردة والمواقف المتباعدة. يأتي هذا الحراك في ظل تحولات عميقة تشهدها المنطقة، تراجع أميركي متصاعد، تفاهم سعودي–إيراني بوساطة صينية، واستقطابات حادة حول الحرب على غزة. لكن السؤال الجوهري يبقى: ما الذي يعنيه هذا التقارب في هذا التوقيت بالذات
شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في مركزية الدور الأميركي في المنطقة، مقابل صعود قوى إقليمية تحاول ملء الفراغ — من تركيا وإيران، إلى السعودية والإمارات. في هذا السياق، بدا واضحًا أن صدام المحاور لم يعد مجديًا، بل مكلفًا. والتقارب السعودي–الإيراني الذي جرى بوساطة صينية أطلق إشارة انفتاح دفعت لاعبين آخرين — كالقاهرة وأنقرة — إلى إعادة حساباتهم.
مصر التي لطالما تبنّت موقفًا حذرًا من طهران، تجد اليوم نفسها مضطرة للانخراط في هذه التحولات، سواء لأسباب اقتصادية داخلية أو جيوسياسية متغيرة.
هل باتت مصر ترى أن سياسة “الحياد الحذر” لم تعد كافية في بيئة إقليمية تعيد رسم تحالفاتها؟
لا يمكن فصل أي تقارب إقليمي عن البُعد الاقتصادي. مصر تواجه أزمة اقتصادية خانقة، وتسعى لتنويع تحالفاتها ومصادر دعمها بعيدًا عن الارتباط الحصري بدول الخليج أو المؤسسات الغربية. إيران من جهتها، ورغم العقوبات، تملك قدرات تصديرية وسياسية يمكن لمصر الاستفادة منها — من الطاقة إلى الشراكة في الملفات الإقليمية.
البراغماتية التي تحكم السياسات الخارجية اليوم تجعل المصالح تتفوق على الخلافات الأيديولوجية، حتى لو كانت بحجم ملف الثورة الإسلامية أو التحفظ المصري على سلوك إيران في الخليج واليمن.
هل التقارب مع إيران جزء من استراتيجية مصرية جديدة لإعادة التوازن في علاقاتها الدولية بعد مرحلة من التبعية الخليجية؟
جاء هذا التقارب وسط حرب مدمّرة على غزة، وصعود محور المقاومة كفاعل رمزي ومعنوي في الشارع العربي. وبغض النظر عن التباينات بين رؤية طهران والقاهرة للملف الفلسطيني، فإن الأرضية المشتركة تتمثل في الرغبة في استعادة زمام المبادرة من واشنطن وتل أبيب.
الانفتاح على إيران قد يمنح القاهرة أدوات ضغط جديدة على حركة حماس، وعلى إسرائيل، وربما رسالة بأن مصر قادرة على توسيع خياراتها بعيدًا عن المحور الأميركي–الإسرائيلي التقليدي.
التحولات في البحر الأحمر منذ الحرب في غزة أظهرت هشاشة خطوط الملاحة، ووضعت مصر أمام معضلة أمنية واقتصادية. إيران، عبر الحوثيين، لاعب أساسي في هذه الساحة. والتواصل معها قد يكون جزءًا من تفاهمات غير معلنة لضبط الإيقاع في الجنوب، وخلق معادلات ردع جديدة لا تؤذي المصالح المصرية.
هل التقارب محاولة للحدّ من نفوذ إيران عبر الحوار؟ أم تسليم بدورها باعتبارها أمرًا واقعًا لا يمكن تجاوزه؟
السؤال الأهم ربما ليس “لماذا تتقارب إيران ومصر؟” بل:
فهل هو مجرد خطوة تكتيكية لتحسين مواقع التفاوض في ملفات مثل غزة، البحر الأحمر، أو العلاقات مع الخليج؟
أم هو بداية اصطفاف جديد تتقاطع فيه مصالح القاهرة مع طهران في ظل تآكل الثقة في الدور الأميركي واحتدام الصراع الدولي؟
في كلتا الحالتين، من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تشهد مرحلة انتقالية، وأن مصر — كعادتها — لا ترغب في البقاء على الهامش.
في الختام:
التقارب المصري–الإيراني ليس قرارًا عاطفيًا، بل خيار استراتيجي يحاول التكيّف مع عالم يتغير. لكنه أيضًا محفوف بالمخاطر: من غضب الحلفاء التقليديين، إلى تعقيدات الملف السوري واليمني، وحتى الداخل المصري الذي قد لا يستسيغ هذا الانفتاح.
لكن في السياسة، لا يوجد خصم دائم ولا حليف دائم… هناك فقط مصالح تُعاد صياغتها مع الزمن
سلام